حيدر حب الله
72
نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي
أن ما يأخذ به الصدوق من النصوص هو ما كان موجودا في المصادر المشهورة المعتبرة المعتمد عليها عند الشيعة ، مهما كان موقفنا من تجربته ، وهل وفى بما وعده أم أنّه سهى وأخطأ ؟ وما كان موجودا في مثل هذه المصادر يبعد جدا أن يكون مظنونا في تلك الحقبة سيما وأنّ المعركة الفكريّة بين المفيد والصدوق - كما سيأتي - تعلن مدى ضعف عمليات النقد من طرف مدرسة الحديث للسنّة المحكية الأمر الذي يضاعف من احتمال اليقين ، بعد ضمّ ما أشرنا إليه في الفصل الأوّل . وأمّا القول بأنّ الصدوق لا دليل على أنّه يعتقد بكل ما رواه فهذا ما لا يعنينا هنا ، لأننا لا نبحث حول اعتقاد الصدوق بصحّة جميع ما رواه في كتبه الحديثية ، بل نبحث أنّه على ما ذا كان يعتمد عندما يريد الخروج بفكر أو حكم يدين اللّه تعالى به ، وهكذا الحال في بقيّة المحدّثين فالقول الذي يذكره المرتضى من عدم الاحتجاج بالمحدّثين وكلماتهم مرجعه إلى أن تدوينهم لا يعبّر عن آرائهم أو إلى إفراطهم في الأخذ بالروايات دون تمحيص كما يظهر من كلامه وفق ما سيأتي قريبا . وأمّا القول بأنّ الصدوق كان يعتمد على قول شيخه محمد بن الحسن بن الوليد في أمور توثيق الرجال ، ومعنى ذلك أنّه لم يكن عنده يقين بها ، فهو الآخر غير وجيه ، وذلك لأنّ كثيرا من اعتماد الصدوق على ابن الوليد كان في الجرح والتضعيف وهذا مبرّر حتى على نظريّة اليقين ، لأنّ تضعيف عالم رجاليّ كبير لأحد الرواة يمكن أن يخلق شكا في روايته ، فتترك لعدم حصول اليقين منها ، إضافة إلى أن من الممكن أن تكون شهادة ابن الوليد قرينة توضع إلى جانب القرائن الأخرى الموجودة في الرواية كنقلها في الكتب المشهورة ، كما يشير الصدوق نفسه في مقدّمة « الفقيه » ، وهذا معناه أن الاعتماد على ابن الوليد لم يكن يعني كون قوله المعيار النهائي الوحيد ، إذ سيأتي أيضا أن قيام نظرية الخبر الواحد على معايير السند بوصفها المعايير الأولى بدأ يظهر بقوّة في القرن السابع الهجري ، ومعنى ذلك أنّ اعتماد الصدوق على قول ابن الوليد لا يجعله المعيار الوحيد حتى يدرج الصدوق في زمرة القائلين بحجية خبر الثقة الظني على طريقة مدرسة العلامة الحلّي ( 726 ه ) أو ما شابه ، وإنما تكون هذه الشهادة إحدى القرائن التي توجب بضمّها إلى غيرها وثوقا أو اطمئنانا . ولسنا نريد الجزم بتبنّي مدرسة الحديث القديمة لنظرية اليقين أو الاطمئنان ، بل نؤكّد على أن هذه الفرضية أكثر الفرضيات التئاما بنظرنا ، وهي الفرضية التي تجعل مدرسة الحديث امتدادا لما كان الحال عليه عصر الحضور كما أسلفنا . إنّ مبدأ العمل باليقين أو الاطمئنان بالواقع هو الأصل ، أمّا العمل بالظنّ ولو المعتبر فهو ما يظهر لنا على خلاف العادة الجارية في مثل هذه القضايا الهامّة .